توصياتٌ واحدة لا تناسب الجميع: أهمّيّة فهم السّياق لتحسين استجابة كوفيد -19 في شمال غرب سوريا

علا فحام ,عمر الحراكي

لا يمكن استقراء التّوصيات الدّولية للوقاية من كوفيد-19 ومكافحته وتطبيقها في جميع السّياقات، لا سيّما تلك المتضرّرة من الصّراعات طويلة الأمد كما في سوريا. تمّ تحديد أوّل إصابة بـكوفيد 19 في مناطق سيطرة النّظام السّوري في 23 آذار 2020، تلتها حالاتٌ متعدّدة في شمال شرق سوريا (منطقة سيطرة الإدارة الذّاتية) في نيسان 2020. ولم تكتشف الحالة الأولى في شمال غرب سوريا حتى تاريخ 9 تموز 2020.  منذ ذلك الحين تزايد عدد الحالات بشكل مطّرد  في كلّ المناطق على الرّغم من استمرار الاتّهامات بغياب الشّفافّية لدى النّظام السّوري وبممارسة القمع لأيّ محاولةٍ للإبلاغ عن الحالات في المناطق الخاضعة لسيطرته.  تسيطر المعارضة على منطقة شمال غرب سوريا ويقطنها حوالي 4.17 مليون شخص (2.7 مليون منهم نازحون داخلياً ، وحوالي 1.5 مليون يسكنون المخيّمات) ، وقد تصاعد عدد حالات كوفيد-19 في المنطقة بشكلٍ سريعٍ وواضحٍ خلال الأشهر الماضية.

إنّ التّدخلات الموصى بها دوليّاً للحدّ من جائحة كوفيد-19 كانت غير مجديةٍ أو غير مقنعةٍ كما تمّ رفضها من قبل المجتمع المحلّي الذي مازال تحت تأثير الحرب وعواقبها و يتعرّض بشكلٍ متكرّر للقصف والموت.  فالإغلاق الكلّي مثلاً هو عمليّة مدمّرة اقتصاديّاً للمجتمعات، حيث يؤدّي إلى ارتفاع معدّلات الفقر والبطالة وخصوصاً عند أولئك الذين يعتمدون على عملٍ يوميّ غير ثابت لكسب قوت يومهم.  إضافةً إلى ذلك فإنّ الكثير من أطفال هذه المنطقة -الذين لم يعرفوا إلا لغة الحرب والصّراع المسلّح- سيكون تأثير إغلاق المدارس (رغم أنه قد يكون فعّالاً في الحدّ من انتقال العدوى) غير مقتصرٍ على تعليمهم فحسب بل سيؤثر أيضاً على سلامتهم وصحّتهم النّفسيّة.  في هذه المدوّنة سيتمّ تسليط الضّوء على أهميّة قولبة وتعديل التّوصيات العالميّة وفقاً للسّياق الخاصّ بشمال غرب سوريا.

فهم السّياق المحلّي:

 تدهورَ الوضع الإنسانيّ في شمال غرب سوريا بشكل كبير منذ التّصعيد العسكريّ للنّظام السّوري وحلفائه الروس والإيرانييّن في نيسان – آب 2019 وكانون الأول 2019. وبحلول آذار 2020 وبسبب تصاعد العنف ضد المدنييّن تمّ إجبار ما يقارب المليون إنسان على ترك منازلهم والسّكن في مخيّماتٍ مكتظّة وغير منظّمة قرب الحدود السّوريّة التّركيّة في محافظتي إدلب وحلب، حيث أنّ خدمات المأوى والمياه والصّرف الصّحّي والنّظافة في تلك المخيّمات غير كافيةٍ لتلبية احتياجاتهم الأساسية.  أدّت الهجمات المستمرّة على مراكز الرّعاية الصّحية والمشافي وخروجها عن الخدمة إلى زيادة الضّغط على النّظام الصّحي في  شمال غرب سوريا (على سبيل المثال: تمّ إغلاق 62 منشأة صحية مؤخراً بسبب الهجمات الممنهجة من قبل النّظام السّوري وحلفائه). كما قُتل العديد من العاملين الصحيين و أجبر البعض على النّزوح ولم يتبقّ إلا 600 طبيباً  وطبيبةً و 64 مرفقاً صحياً فقط يعمل معظمها كمستشفيات ميدانيّة ذات قدراتٍ وخدماتٍ متواضعة.

كوفيد-19 في شمال غرب سوريا:

في 9 تموز 2020 ، أكّدت شبكة الإنذار المبكر والاستجابة (EWARN) أوّل حالة إصابة بـكوفيد-19 في شمال غرب سوريا. وعلى الرغم من وضع خطّةٍ للاستعداد والاستجابة لـكوفيد-19 في هذه المنطقة ، إلا أنّ التّنفيذ لم يتّسم بالمركزيّة المنظّمة وكان أقرب منه للعشوائيّة. في حين غياب سلطة موحّدة يمكنها فرض تدابيرٍ حقيقية على الأرض، تمّ تحديد ما لا يقلّ عن أربع جهاتٍ فاعلةٍ رئيسة في شمال غرب سوريا: فرقة عمل كوفيد-19 بقيادة منظّمة الصّحة العالميّة (التاسك فورس)، وفريق الاستجابة الوطني لكوفيد-19 بقيادة الحكومة السّوريّة المؤقّتة، وحكومة الإنقاذ في إدلب ، والمجالس المحليّة المدعومة من تركيا في شمال حلب.

أضاف وباء كوفيد-19 عبئاً على النّظام الصّحي المتهالك، ولعبت عدّة عوامل في طريقة الاستجابة الفعّالة لكوفيد-19، بما في ذلك:

  • الكثافة السّكّانيّة العالية، لا سيّما في مخيّمات النّزوح.
  • ضعف قدرة النّظام الصّحي، خاصّةً بالنّسبة لـكوفيد-19 حيث يبلغ إجماليّ عدد أسرّة المستشفيات وأسرّة العناية المركّزة والمَنافس 200 و 112 و 83 على التّوالي.
  • البنية التّحتيّة المدمرَّة لخدمات المياه والصّرف الصّحي و خدمات النّظافة، بسبب القطع المتعمّد والعنف المستمرّ ضد المرافق المدنيّة.
  • تقييد الإمداد وسلاسل التّوريد بسبب إغلاق معبر باب السّلامة الحدوديّ مع تركيا بعد فشل مجلس الأمن الدّولي في تجديد قرار المساعدات العابرة للحدود (يعتبر معبر باب الهوى الحدوديّ الآن الوسيلة الوحيدة لعبور المساعدات والمواد الغذائيّة والطبيّة).
  • العواقب النفسية للحرب على السّكان ممّا أدّى إلى تجاهلٍ واضحٍ لمخاطر هذه الجائحة من قبل المجتمع.

 هذه العوامل تجعل التّدخّلات غير الدّوائية مثل فرض ارتداء أقنعة الوجه (الكمامات)، والحجر الصّحي، والتّباعد الجسدي، وتتبّع المصابين والمخالطين أمراً غير واقعيّ لا سيّما في المخيّمات، وخصوصاً أنّ هذه التّداخّلات لها عواقبٌ اجتماعيّة واقتصاديّة تؤثر سلباً على التّوظيف والعمل والالتحاق بالمدارس.

 ما هي التّوصيات ذات الصّلة بهذا السّياق المحدّد التي يمكن تقديمها؟

 بالنّظر إلى ضعف النّظام الصحي فإنّ للوقاية أهميّةٌ خاصّة في شمال غرب سوريا، فعلى الرغم من التّحدّيات الموجودة إلا أنّه يمكن تنفيذ بعض التّداخلات الواقعيّة والتّي تحترم التّقاليد الاجتماعيّة والثقافيّة، كالعزل الذّاتي وحماية كبار السّن.

 يعتبر ارتداء أقنعة الوجه تحدّياً في سوريا بسبب التّكاليف العالية، خاصّة بالنّسبة للأقنعة التي تستخدم لمرّة واحدة، حيث لا يمكن توفيرها مجانّاً وبشكل روتينيّ.  ومع ذلك  قد تكون الأقنعة من بين أهمّ التّدخلات وأبسطها للاستخدام في هذا السّياق.  يعدّ الدّعم المستمرّ والتّواصل المجتمعيّ بما في ذلك حملة “أقنعة للجميع” ، أمراً مهمّاً للغاية نظراً لمحدوديّة وصول كامل فئات المجتمع إلى وسائل الإعلام.  ومع ذلك ، فإنّ توفير أقنعة N95 والأقنعة الجراحيّة التي تستخدم لمرّة واحدة للعاملين الصّحيّين المعرَّضين لخطر انتقال العدوى في المستشفيات أمرٌ في غاية الأهميّة.

إنّ الخدمات غير الكافية للمياه والصّرف الصّحي والنّظافة لا سيّما في المخيّمات تحدُّ من قيمة وأهميّة حملات التوعية وحثّ السّكان على غسيل اليدين بانتظام، عدا عن أنّ غسل اليدين بانتظام يُعدّ تقليداً دينيّاً وثقافيّاّ راسخاً للغالبيّة السّوريّة.  ما تفتقر إليه المجتمعات هو الحصول على كمّيةٍ كافيةٍ من المياه وأدوات النّظافة كالصّابون وبالتالي هناك حاجةٌ ماسّة إلى الاستثمار في موارد المياه والصّرف الصّحي والنّظافة لتعزيز الممارسات الجيّدة الموجودة أًصلاً مثل توفير خزّانات المياه النّظيفة في جميع المخيّمات، و توزيع مواد التنظيف بكميّةٍ كافيةٍ لتلبية الاحتياجات.

إنّ انعزال منطقة شمال غرب سوريا عن العالم الخارجي قد اعتُبر عاملاً مهمّاً للحدّ من انتشار الوباء وتأخّر ظهور الحالات. فقد استمرّ تقييد السفر عبر معبر باب الهوى(المعبر الحدوديّ الرئيسيّ مع تركيا) للمساعدات الخارجيّة والعاملين في  المجال الإنسانيّ والأطبّاء والتّجار والمسؤولين الأتراك والعسكريين . لكنّ هذا لم يمنع وجود بعض المعابر الإضافيّة و حالات “السّفر غير الضّروري” عبر الحدود و التّحركات الداخليّة( وإن كانت محدودة) ما بين شمال غرب وشمال شرق سوريا ومناطق سيطرة النظام.

على الرغم من وجود بعض النّشاط التّجاري وعمليّات التّهريب غير النّظامية ما بين المناطق، إلا أنّ الأمر مقلقٌ للغاية في حال تمّ رفض تجديد مجلس الأمن للقرار المتعلّق بالمساعدات الإنسانيّة العابرة للحدود حين مراجعته في تموز 2021، عندها ستفقد منطقة شمال غرب سوريا شريان الحياة الوحيد للمساعدات الإنسانيّة لملايين المدنييّن الذين يعتمدون على هذا الدّعم بشكل كامل. إن وضع جائحة كوفيد -19 في شمال غرب سوريا والذي قد يبدو مستقرّاً حاليّاً يمكن له أن يتدهور مجدّداً في أيّة لحظةٍ، مما سيؤدّي إلى انهيار النّظام الصّحي المثقَل أصلاً بعشر سنواتٍ من الحرب.  تُعدّ المشاركة والمبادرات المجتمعيّة أمراً بالغ الأهميّة لتحديد وتنفيذ التدّخّلات الفعّالة والقابلة للتّطبيق للتّخفيف من الانتشار المستمرّ لكوفيد-19، حيث أنّ توافر اللّقاح في شمال غرب سوريا لن يكون متاحاً في المستقبل القريب ولن يكون فعّالاً لوحده للحدّ من هذه الجائحة.

بقلم علا فحام وعمر الحراكي

علا فحام طبيبة وطالبة ماجستير في الصحة العامة بجامعة نوتنغهام، المملكة المتحدّة

عمر الحراكي

طبيب مقيم سابق في قسم الإصابات وجراحة العظام في مستشفى باب الهوى ، إدلب ، سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Follow by Email