تحالف مديريات الصحة السورية في مناطق سيطرة المعارضة مع منظمات المجتمع المدني في إطار الدولة الوطنية المفقودة

شهادة د. منذر الخليل مدير صحة ادلب السابق بين عامي 2013-2020

د. منذر الخليل

ملخص:

هذه المقالة تسلط الضوء على فلسفة وظروف التحالف الذي حصل بين مديريات الصحة الثمانية في مناطق سيطرة المعارضة السورية مع منظمات المجتمع المدني، والذي طغى على التحالفات المحلية ذات الطبيعة القبلية من جهة، وعلى عملها مع المظلة الرسمية لمؤسسات المعارضة ممثلة بالحكومة السورية المؤقتة من جهة أخرى. أثمر هذا التحالف إنتاج الجسم التنسيقي لمديريات الصحة السورية في عام ٢٠١٧ والذي لعب دور تقني مركزي من أجل توحيد السياسات والاجراءات والشعارات ورسم ملامح مشروع قطاع الصحة ضمن إطار وطني جامع يشمل كل مناطق سيطرة المعارضة كخطوة أولى، كان من المفترض أن تتبعها خطوات لم تكتمل. كما تسلط الضوء على سبب الاضطراب في فهم معنى الدولة الوطنية والمشاريع الوطنية في السياق السوري في مرحلة قبل وبعد الثورة، والذي كان له أثر سلبي على حالة التشظي الموجود وأدى إلى تبلور العديد من المشاريع ذات الطابع القبلي.

مقدمة تاريخية:

شهدت سورية خلال خمسة عقود من حكم آل الأسد تعزيز كل الولاءات والكيانات ما قبل الوطنية وتعزيز سلطة القبضة الأمنية وتراجع كبير في مستوى الحريات وغياب مفهوم المواطنة والدولة الوطنية.

في عام ٢٠١١ بدأت حركة احتجاجات سلمية تطالب بالحرية والديمقراطية، قوبلت بإطلاق النار على المظاهرات السلمية من قبل الأجهزة الأمنية. دخلت البلاد بعد ذلك في دائرة العنف وتم تقسيم البلاد عسكرياً لمناطق خاضعة لسيطرة المعارضة السورية ومناطق خاضعة لسيطرة النظام السوري ومناطق خاضعة لسيطرة الأحزاب الكردية، مع تغييرات مستمرة في الحدود الجغرافية للسيطرة، وكذلك ظهرت في بعض المراحل قوى متطرفة مثل داعش دخلت في صراع مع الجميع.

بعد انهيار أو انسحاب مؤسسات الدولة ضمن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، كانت هناك جهود من كوادر طبية محلية ووزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة التابعة للمعارضة لإعادة بناء القطاع الصحي من خلال تشكيل مديريات الصحة في عام 2013 كخطوة رئيسية، والتي هي عبارة عن امتداد للمكاتب الطبية والهيئات الطبية التي قام بتشكيلها كوادر طبية متطوعة في مختلف المحافظات بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٣ لتقديم الخدمات الطبية الميدانية في مناطق سيطرة المعارضة. وفي الوقت نفسه كان هناك أدوار موازية تقوم بها وحدة تنسيق الدعم التابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني. تجسدت الأدوار الموازية من خلال تقديم بعض الخدمات الطبية من جهة ولعب بعض الأدوار الحوكمية من خلال مكاتبها في الداخل السوري من جهة أخرى.

مرحلة التنافس السلبي:

كثرة اللاعبين وعدم وجود ناظم للعلاقة بين أصحاب المصلحة مثل وزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة ومديريات الصحة ووحدة تنسيق الدعم والمنظمات غير الحكومية والمكاتب الطبية للمجالس المحلية والمكاتب الطبية التابعة للفصائل العسكرية أدت لحالة تنافس أو صراع بين هذه الأجسام، وأهم أشكال هذا التنافس كانت:

١- تنافس بين مديريات الصحة ووزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة، حيث يرى العاملون في المديريات أنهم المؤسسون الحقيقيون للقطاع الصحي في مناطق سيطرة المعارضة وهم من قدموا التضحيات وعرضوا حياتهم للخطر، في حين أن الوزارة كانت مفروضة عليهم من الخارج. من جهة أخرى كانت الحكومة ترى أن لديها الشرعية الدولية والموارد بعد أن حصلت على ٥٠ مليون يورو من دولة قطر في عام ٢٠١٤ وهذا يخولها فرض رؤيتها الشاقولية على كل الأجسام المحلية وأن من واجبها إعادة إنتاج سلطة مركزية لإنهاء حالة الفوضى الموجودة ضمن القطاعات الخدمية.

٢- تنافس بين الأذرع التنفيذية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة حيث إن الائتلاف أوجد الحكومة السورية المؤقتة في عام ٢٠١٣ واحتفظ بوحدة تنسيق الدعم، هذا الصراع بلغ ذروته في بعض الملفات مثل ملف اللقاح الذي اعتبرته الوزارة أنه ملف سيادي لها في حين اعتبرت الوحدة أنها الأقدر على إدارة هذا الملف.

٣- تنافس بين مديريات الصحة والمنظمات الطبية، حيث اعتبرت المديريات نفسها السلطات المحلية صاحبة الشرعية وهي من تدير القطاع الصحي في المنطقة ومن واجب المنظمات تنفيذ خططها، كما أنها كانت تنظر بنوع من القلق لأجندة المنظمات المرتبطة بالمانحين. في حين أن المنظمات اعتبرت نفسها هي الأقدر على تقييم الاحتياجات وتقديم الخدمات بحكم ما تمتلكه من موارد مالية وبشرية ومعرفية والتي لا تقارن بطبيعة الحال بما هو متوفر لدى مديريات الصحة في ذلك الوقت.

٤- تنافس بين وزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة والمنظمات الطبية، حيث ترى الوزارة أنه يتوجب على المنظمات المرور من خلال قنواتها الرسمية لتقديم الخدمات، في حين أن المنظمات ترى أنها أجسام حيادية ولاتستطيع الدخول عبر قنوات سياسية مرتبطة بالحكومة السورية المؤقتة، لذلك فضلت العمل مع المنشآت الطبية بشكل مباشر ضمن الخطط التي تضعها كل منظمة على حدى.

مرحلة التحالفات:

١- الحكومة السورية المؤقتة والتي لاقت استحسان كبير في بداية تشكيلها على اعتبار أنها قد تكون حكومة بديلة عن حكومة النظام السوري ومن المتوقع أن تلعب دور القيادة لرسم ملامح مشروع وطني جديد لم تتمكن من إقناع أصحاب المصلحة أن لديها رؤية واضحة لقطاع الصحة، ولم تتمكن أيضاً من ربط هذه المؤسسات معها من وجهة نظر مصلحية. لذلك وبعد حوالي عامين من انطلاقها وجدت نفسها معزولة إلى حد كبير وخارج إطار التفاهمات والتحالفات التي بدأت تظهر بين المديريات والمنظمات.

٢- وحدة تنسيق الدعم تمكنت من تحييد نفسها عن الصراعات والتحالفات بعد عام ٢٠١٥ إلى حد كبير، وساعدها في ذلك بعض البرامج المركزية الناجحة التي تديرها مثل برنامج الترصد الوبائي

(EWARN)

والذي شمل كل المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وساعد الوحدة في فتح قنوات تواصلها مع المديريات من جهة ومع المنشآت الطبية بشكل مباشر من جهة ثانية، ولكنها دخلت في دائرة الصراع مرة أخرى بعد تشكيل الجسم التنسيقي لمديرات الصحة (سيتم شرحه لاحقاً) في عام 2017 وانحازت للحكومة السورية المؤقتة.

٣- ظهرت العديد من التحالفات بين المنظمات السورية، ولعل من أبرزها تحالف خمس منظمات كبرى في عام ٢٠١٥ فيما عرف باسم ميثاق الشرف وهي:

اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية (UOSSM)

الجمعية الطبية السورية الأمريكية (SAMS)

أطباء عبر القارات (PAC)

مؤسسة الشام الإنسانية(SHAM)

الرابطة الطبية للمغتربين السوريين  (SIMA)

وتضمنت بنود الميثاق “التخطيط الاستراتيجي المشترك والتعاون والتنسيق في تنفيذ المشاريع”، و”العمل على الدعم الكامل للمؤسسات الطبية البديلة وأطر حوكمة القطاع الطبي في سوريا بأكملها“.

٤- ظهر تحالف بين المديريات والمنظمات الطبية في عام ٢٠١٥ ومن أهم أسبابه:

  • الحاجة لخلق قصة نجاح وأنموذج يمكن أن تكون لبنة في إطار الدولة الوطنية المنشودة والتي لم نعشها يوماً في سورية المعاصرة، لاقبل ولابعد الثورة سواء كان ذلك على مستوى الواقع أو على مستوى المفهوم والممارسة، يعطي الضمانة للجميع على قاعدة احترام الخصوصيات والاقرار بالحقوق لكل مكوناته وأفراده.
  • حاجة الجميع لخلق سلطة حقيقية في مناطق سيطرة المعارضة لملء فراغ غياب مؤسسات الدولة تقوم بلعب أدوار الحوكمة المنوطة بها.
  • الحاجة لتحييد القطاع عن تدخلات الفصائل العسكرية وبشكل خاص تلك الفصائل التي كان لها مشروع مدني تسعى لتحقيقه مثل حركة أحرار الشام الإسلامية، هيئة تحرير الشام وجيش الإسلام.
  • الحاجة لخلق النموذج المقنع للمجتمع المحلي والدولي على حد سواء على القدرة على إيجاد مؤسسات بديلة عن مؤسسات النظام السوري.
  • إدراك المنظمات حديثة العهد في العمل الانساني والتي تشكلت في سياق الأزمة الانسانية السورية في غالبيتها أنها لن تسطيع لعب دور المؤسسات غير الحكومية والحكومية في آن واحد.
  • إدراك مديريات الصحة حاجتهم للتحالف مع المنظمات بما تملكه من موارد بشرية ومعرفية ومالية مهمة لتنفيذ خططها الاستراتيجية وبما تملكه من قيمة معنوية وطنية.
  • فتح قنوات التواصل بين مجالس إدارات المنظمات الموجودة في أوربا وأمريكا والخليج وإدارات مديريات الصحة من خلال الزيارات التي قام بها العديد من أعضاء هذه المجالس للداخل السوري أو اللقاءات التي حصلت في تركيا والتي ساهمت في بناء الثقة بين الطرفين.
  • ظهور لاعب مهم جداً وهو مجموعة الصحة (Health Cluster)  في غازي عنتاب بعد صدور قرار من مجلس الأمن الذي يحمل الرقم ٢١٣٩ بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠١٤ والذي أجاز دخول المساعدات الانسانية عبر الحدود، حيث لعبت المجموعة دور مهم جداً في فتح قنوات الحوار وتبادل المعلومات بين المديريات والمنظمات من خلال الاجتماعات الدورية، كما أنها عززت الدور القيادي لمديريات الصحة.

ثمرة التحالف:

أثمر التحالف والتفاهمات بين مديريات الصحة والمنظمات الطبية عن أول زيارة لدول الاتحاد الأوربي بوفد مشترك من مدراء صحة إدلب وحماة ومدراء منظمات ميثاق الشرف الخمسة بتاريخ ٢٩-١-٢٠١٦ للمناصرة للمشروع وطلب تمويل لدعم مديريات الصحة. الأمر الذي أدى إلى تأمين تمويل لمديرية صحة إدلب في البداية لمدة ثمانية أشهر كخطوة تجريبية، تبعها تمويل كل مديريات الصحة في إدلب وحلب وحماة واللاذقية وحمص وريف دمشق ودرعا والقنيطرة في تشرين الأول من عام ٢٠١٧. وكانت هذه المرة الأولى التي تحصل فيها مديريات الصحة على تمويل مباشر، كما أنها المرة الأولى التي يتحقق فيها مشروع يتجاوز الأقاليم الجغرافية ويغطي كل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. ولتحقيق الربط الجيد بين مديرات الصحة تم إنشاء جسم تنسيقي مركزي بين المديريات والذي أخذ على عاتقه توحيد السياسات والاجراءات والشعارات بين مديريات الصحة. ثم تغير هذا الأسم لاحقاً إلى الجسم التقني لمديريات الصحة وذلك من أجل تهدئة مخاوف أصحاب المصلحة والذين كان لديهم أسباب مختلفة.

  • وزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة رأت أن هذا الجسم يقوم بأدوار الوزارة نفسها وبالتالي هو تهديد محتمل لدور الوزارة.
  • –      وحدة تنسيق الدعم رأت أن هذا الجسم قد يشكل خطر على مشروع الترصد الوبائي والذي يعتبر المشروع الأكثر أهمية لها.
  • –      منظمة الصحة العالمية رأت في هذا الجسم تهديد للدور التنسيقي الذي تقوم به من خلال مجموعة الصحة ((Health Cluster في غازي عنتاب لذلك لم ترحب بالفكرة أو تتعامل بإيجابية مع الجسم التقني.
  • –      الفصائل العسكرية رأت في هذا الجسم تهديد حقيقي لقدرتها على التدخل في عمل القطاع الطبي ولمشاريعها ذات الطابع القبلي المحلي لإنه يتجاوز الحدود الجغرافية لكل فصيل على حدى.

مرحلة انهيار المشروع وضعف التحالفات:

انهار المشروع لاحقاً على مراحل بدأت مع سيطرة النظام على ريف دمشق في نيسان عام ٢٠١٨ واكتمل الانهيار مع توقف دعم كل أنشطة المشروع في تموز عام ٢٠١٩، ويمكن تلخيص أهم الأسباب بما يلي:

١- سيطرة النظام على كل من حمص، ريف دمشق، درعا، والقنيطرة وبالتالي خسارة نصف مديريات الصحة المشتركة في المشروع.

٢- التضييق على المشروع من قبل الحكومة السورية المؤقتة التي رأت في استمرار تمويل مديريات الصحة دون المرورعبر وزارة الصحة هو إضعاف للدور المركزي الذي من الممكن أن تلعبه الحكومة.

٣- ضغوطات حكومة الإنقاذ السورية والتي تشكلت في شهر تشرين الأول عام ٢٠١٧ في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام والتي رأت أنها لن تستطيع لعب دور مهم عبر وزارة الصحة في حكومة الإنقاذ مالم يتم إضعاف الدور القيادي لمديرية صحة إدلب.

٤- تراجع المانحين وتخليهم عن تمويل مديريات الصحة بشكل مباشر بحجة خطورة استمرار العمل على مشاريع ذات طابع تنموي في مناطق تسيطر عليها هيئة تحرير الشام. حيث إنهم رأوا أن مشاريع كهذه يمكن أن تقوي هيئة تحرير الشام بينما في الحقيقة هذه المشاريع كانت تضعف سيطرتها على القطاعات المدنية.

كما أن التحالفات القائمة مع المنظمات تغيرت نتيجة اختلاف وجهات النظر بين منظمات الميثاق فيما بينها بما يتعلق بمفاهيم الحوكمة، إضافة إلى النظرة السلبية من قبل بقية المنظمات الطبية السورية للميثاق بحد ذاته والذي رأت فيه اختزال للجهد الكبير والمساهمات التي تقوم به كل المنظمات السورية لصالح منظمات الميثاق. لذلك تطورت التحالفات إلى تحالفات ثنائية وثلاثية بين المنظمات وماتبقى من مديريات الصحة ولم يعد هناك كتلة حرجة موجهة لقطاع الصحة.

الخلاصة:

ظهرت العديد من التدخلات لبناء القطاع الصحي في مناطق سيطرة المعارضة وكلها تحمل بعد سياسي وآخر خدمي، بعضها كان من القمة باتجاه القاعدة وهو ما ميز مشروع الحكومة السورية المؤقتة ووحدة تنسيق الدعم، وبعضها كان من القاعدة باتجاه القمة وهو ما ميز المشروع المشترك الذي نتج عن التحالف بين مديريات الصحة السورية ومنظمات المجتمع المدني، حيث ابتعدت المديريات عن الاستثمار في الهياكل الرسمية للمعارضة بعد أول سنتين من تشكيل الحكومة السورية المؤقتة، وانحازت للاستثمار مع منظمات المجتمع المدني. من جهة أخرى كان هناك مشاريع تحت وطنية مرتبطة أكثر بالفصائل العسكرية في المناطق الجغرافية المختلفة. والقاسم المشترك بين كل المشاريع هو الاضطراب في مفهوم المشروع الوطني والدولة الوطنية نتيجة السياق التاريخي الذي كرس من خلاله حزب البعث والمؤسسة العسكرية الحكم القبلي على حساب الوطن والمواطنة، ونتيجة النزاع العسكري الذي استمر أكثر من تسع سنوات بين النظام السوري وحلفائه من جهة وقوى الثورة والمعارضة وحلفائهم من جهة أخرى. ولكن أستطيع أن أزعم أن مشروع مديريات الصحة – منظمات المجتمع المدني هو الأنسب للسياق السوري والسياقات التي يحصل فيها غياب أو انهيار للدولة وتدخل في نزاعات عسكرية وهو الأقرب لمفهوم الدولة الوطنية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Follow by Email